إنســـانيــات .. نحـو عـلم اجـتماعى نـقدى
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

إنســـانيــات .. نحـو عـلم اجـتماعى نـقدى

خطوة على طريق الوعي
 
الرئيسيةأحدث الصورالتسجيلدخول

 

 حوار مع الدكتور مصطفى عمر التير أستاذ علم الاجتماع الليبى

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
د. فرغلى هارون
المدير العـام

د. فرغلى هارون


ذكر عدد الرسائل : 3278
تاريخ التسجيل : 07/05/2008

حوار مع الدكتور مصطفى عمر التير أستاذ علم الاجتماع الليبى Empty
مُساهمةموضوع: حوار مع الدكتور مصطفى عمر التير أستاذ علم الاجتماع الليبى   حوار مع الدكتور مصطفى عمر التير أستاذ علم الاجتماع الليبى Empty21/9/2009, 10:30 pm


حوار مع الدكتور مصطفى عمر التير أستاذ علم الاجتماع الليبى
أجرى الحوار د. حميد الهاشمي


نشر بمجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السادسة: العدد 40: شتاء 2009
رائد التحديث دراسات التحديث في العالم العربي، ورئيس الجمعية العربية لعلم الاجتماع بروفيسور د. مصطفى التير، أستاذ علم الاجتماع في جامعة الفاتح بليبيا، والأستاذ الزائر في عدد من الجامعات الأمريكية والأوربية. مجلة علوم إنسانية التقته في الحوار التالي لتسلط الضوء على انجازاته وآرائه، إضافة إلى عدد من المسائل المتعلقة بعلم الاجتماع في العالم العربي.

·نبدأ من بداياتكم في التخصص وظروف اختيار علم الاجتماع، هل كنت مخططا أن تختار هذا التخصص أم أن الصدفة قد لعبت دورا في ذلك؟
لم أسمع بشيء اسمه علم الاجتماع قبل التحاقي بالجامعة الليبية في العام الدراسي 1959\1960. كانت مادة عام الاجتماع إحدى المواد المقررة على طلبة السنة التمهيدية في كلية الآداب. منذ البداية اعتبرت أن أستاذ هذه المادة المرحوم الأستاذ الدكتور على عيسى أحد أهم رواد علماء الاجتماع المصريين له أسلوب متميز في تحبيب طلابه موضوع علم الاجتماع ، وهكذا كان اخترت التخصص في علم الاجتماع دون تخطيط مسبق .

هل تصف لنا بدايات علم الاجتماع في الجماهيرية؟ وما هي مساهماتكم في تبلور هوية هذا العلم هناك؟
ابتدأ التعليم الجامعي في ليبيا بكلية الآداب التي ظهرت للوجود في العام الدراسي 1955\ 1956. بعثت مصر بعدد صغير من أساتذة الجامعات كان من بينهم الأستاذ الدكتور أحمد الخشاب وهو أول من درس مادة علم الاجتماع بليبيا. ثم توافد على القسم الصغير حديث التكوين عدد من أهم علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا في مصر في ذلك الزمن منهم الدكتور علي عيسى والدكتور احمد أبوزيد والدكتور حسن سعفان ، والدكتور سمير نعيم والدكتور سعد جلال ، ثم أساتذة من بلدان عربية أخرى مثل أستاذ علم الاجتماع العراقي الدكتور عبد الجليل الطاهر . جاء الوقت لانظمام ليبيين لأعضاء هيئة التدريس فكان أولهم الأستاذ عبد المولى دغمان الذي حصل على شهادة الماجستير من جامعة بوسطن في العام 1961، ثم لحقا به بعد ثلاث سنوات الأستاذان عبد الكريم بللو وعلي القاضي اللذان حصلا على شهادتي الماجستير من جامعة شيكاغو. لم يستمر هؤلاء في التدريس مدة طويلة حيث تدرج الأستاذ عبد المولى دغمان في مناصب جامعية إدارية حيث أصبح عميدا لكلية الآداب ثم رئيسا للجامعة. بينما تدرج الأستاذ عبد الكريم بللو في عدد من المناصب الإدارية ووصل لدرجة وزير للتخطيط، أما الأستاذ علي القاضي فقد ترك البلاد مبكرا. وفي العام 1965 التحق بهيئة التدريس في القسم ياسين علي الكبير ومصطفى عمر التير بعد حصولهما على شهادة الماجستير من جامعة بيتسبرج. وبعد سنة دراسية واحدة عادا إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمتابعة الدراسة فرجع مصطفى عمر التير بشهادة الدكتوراه من جامعة منيسوتا في العام 1971، وتبعه في العام 1972 زميله ياسين علي الكبير بعد أن حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة كيس وسترن. تتابع بعدئذ وصول الليبيين من حملة شهادة الدكتوراه فرجع الدكتور علي الهادي الحوات في العام 1974 من جامعة واشنطن بسانت لويس، والدكتور أحمد سالم الأحمر في العام 1976 من جامعة ليدز ببريطانيا، والدكتور أبوبكر شلابي في العام 1976من جامعة كولومبيا ميزوري الأمريكية. شكلت هذه المجموعة طلائع أعضاء هيئة التدريس الليبيين الذين أخذت إعدادهم في التزايد من عام إلى آخر. وللتوسع في التعليم الجامعي كميا وأفقيا لا تزال أقسام علم الاجتماع تستقبل أساتذة عرب من مصر والعراق وسوريا والسودان .

·نعلم أن شخصكم الكريم غني عن التعريف من خلال جهوده البحثية ومؤلفاته العديدة باللغتين العربية والانكليزية، منها مع بروفيسور هولزنر وغيره، ولكن بودنا أن تلقي الضوء على أهم طروحاتكم النظرية ومنجزاتكم على صعيد العمل البحثي والتأليف، خاصة الحديث منها؟
يهتم كل من تخصص في التدريس الجامعي والبحث العلمي بنشر ما ينجزه وهذا ما قمت به حيث ظهرت أولى مقالاتي البحثية في في مطلع النصف الثاني من عقد الستينيات من القرن الماضي. لذلك تجاوزت منشوراتي المائة والخمسين عنوانا . وعليه من الصعب الحديث في مناسبة مثل هذه عما أنجزته. ولكن وباختصار شديد أقول أنني حصرت معظم نشاطي البحثي في مدرسة التحديث . ومن خلال التصورات النظرية لهذه المدرسة تابعت مسيرة التغير الاجتماعي في المجتمع الليبي بصفة خاصة والمجتمع العربي بصفة عامة التي تجاوز عمرها الآن النصف قرن. ومن خلال هذا المنظور الواسع أنجزت دراسات في فروع متعددة منها قضايا المرأة والشباب ، ودور المثقف ومركزه، والجريمة وانحراف الأحداث ، والعنف العائلي ، وقضايا الهجرة الداخلية والخارجية إلى جانب الهجرة غير الشرعية.

·كيف تقيم واقع علم الاجتماع في العالم العربي، على صعيد العمل "النقابي" والمهني ؟
تواجد علم الاجتماع بالمعنى المعاصر في الجامعات العربية الحديثة منذ تواجدها لأول مرة على الأرض العربية. ولابد من الإشارة إلى أن الجامعة الحديثة في البلاد العربية كانت في البداية غير وطنية، ولكن الجامعات الوطنية أنشئت في مطلع القرن العشرين في كل من مصر والعراق وسوريا، ومنها انتشرت في بقية الأقطار العربية. وعلى الرغم من هذا التاريخ الطويل يصعب الحديث عن مشاركة نقابية فاعلة للمتخصصين في علم الاجتماع العرب. ظهرت جمعيات محلية لعلم الاجتماع ، ولكنها ظلت محدودة الإمكانات من حيث نسبة المنتسبين إليها والأنشطة لتي تنفذها. ثم ظهرت في نهاية العام 1985 الجمعية العربية لعلم الاجتماع كمحاولة لإيجاد منظمة مهنية ذات بعد قومي .

·على ذكر الجمعية العربية لعلم الاجتماع، ما هي الانجازات التي حققتها الجمعية بصورة عامة؟
عندما اتفقت نخبة من علماء الاجتماع العرب على إنشاء جمعية تحمل هذا الاسم كانت تطلعات هؤلاء كبيرة من حيث أن جمعية من هذا النوع ستجمع حولها أغلب المتخصصين في مجال علم الاجتماع العرب ، وأنها ستنجح في لفت انتباه مؤسسات المجتمع المدني المحلية والدولية بحيث تقدم للجمعية الناشئة الدعم المالي والمعنوي، وستنجح في تنظيم عدد من المناشط سنويا تعمل على الرفع من مستوى علم الاجتماع في هذا الجزء من العالم. لقد نجحت الجمعية خلال سنواتها الأولى من الحصول على حوالي ثلاثمائة اشتراك، وتنظيم عدد من اللقاءات الثقافية إلى جانب المحافظة على تنظيم لقاء سنوي يحمل عنوان لقاء الأجيال. لكن وبعد مرور سنوات تقلص عدد المنتسبين وواجهت الجمعية صعوبات كثيرة في الحصول على الدعم المالي الضروري لتنفيذ مختلف المناشط خصوصا وأن الجمعية أرادت منذ البداية أن تكون مستقلة وألا تعمل تحت مظلة أي نظام عربي رسمي. ومع كل هذا نجحت الجمعية في تنظيم على الأقل ندوة أو ورشة عمل سنويا.عموما يمكن القول أنه نظرا لتدني الإمكانات المالية للمتخصصين العرب في علم الاجتماع فإن العمل العربي المشترك في هذا المجال يبقى أمرا صعبا.

·ولكن هناك الكثير مما هو مرجو من الجمعية مثل لم شمل المتخصصين بعلم الاجتماع من خلال توسيع نطاق الانضمام لها وزيادة عدد المؤتمرات والندوات التي تقيمها، وعمل قاعدة بيانات للمتخصصين بعلم الاجتماع، وتكريم الرواد والمبدعين الشباب من المتخصصين بعلم الاجتماع في الوطن العربي وما إلى ذلك، فأين الجمعية من كل هذا؟
الجمعية العربية لعلم الاجتماع هي إحدى مؤسسات المجتمع المدني. ويفترض في هذه الحالة أن تنجح في عدم اللجوء إلى دولة للحصول على دعم مالي ثابت. لكن الموجود في الوطن العربي هو أن المواطن العادي من أمثال المتخصص في علم الاجتماع شخص لا يملك من المال ما يسمح له بتقديم دعم مالي مهم لجمعيته لكي لا تحتاج إلى مد يدها إلى نظام رسمي أو لمؤسسة غير عربية مشبوهة.

·ما مدى مساهمة علماء الاجتماع العرب في صنع القرار ورسم السياسة الاجتماعية في بلدانهم؟
لا أعتقد بوجود مساهمة ذات بال لعلماء الاجتماع العرب في صنع ورسم السياسة الاجتماعية في بلدانهم وذلك بسبب رئيس وهو أن عالم الاجتماع العربي يعيش إما حالة من الاندماج الكامل في النظام السياسي، أو حالة من الانزواء بالنسبة لمن اختار التمسك بمبدأ الاستقلال والابتعاد عن تيار النفاق، وهو تيار واسع يتسع لأفراد من مختلف فئات المجتمع. قد تكون النسبة المشاركة في النظام السياسي وهي صغيرة مساهمة في بعض ما يضعه النظام من برامج. لكن غالبية علماء الاجتماع العرب لا يحتلون مراكز في مجتمعاتهم تسمح بالمساهمة في وضع سياسات مستقبلية. جرت العادة في مجتمعات كثيرة أن ترجع مؤسسات الدولة إلى المتخصصين والخبراء ومن بينهم علماء الاجتماع لاستشارتهم أو تنفيذ أبحاث تفعل نتائجها فيما بعد للتعامل مع أوضاع قائمة على أرض الواقع، أو للوصول إلى أهداف مستقبلية. المجتمع العربي المعاصر مجتمع له خصائص وظروف تجعله مختلفا عن مجتمعات أخرى. لعل من بين أهم هذه الخصائص وجود قادة وحكام يؤمنون بالحكم المطلق للفرد إيمانا لا يكاد يعادله إيمان آخر. ومع ذلك يصرون على الحديث عن الديمقراطية كشعار، لأن ما يوجدونه من مؤسسات ذات صفات تشريعية وإدارية ورقابية ما هي إلا لافتات لبيوت خالية. وبغض النظر عن الاسم الذي اختاره لنفسه فإن نظام الحكم في الواقع عبارة عن نظام ملكي وراثي ومطلق. بالإضافة إلى ذلك، يتميز الحاكم العربي بأنه شخص أعطي الحكمة كلها، وأنه شخص بعث به القدر لإنقاذ شعبه. فالحاكم مفكر ومعلم وفيلسوف ومهندس وخبير تربوي وخبير اقتصادي وخبير اجتماعي ورجل قانون، وباختصار هو المرجع في كل شيء، وقادر في نفس الوقت عن التعبير عن مشاعر ورغبات وآراء جميع أفراد الشعب. كما بلي المجتمع العربي وفي كل جزء منه بكم غير قليل من المواطنين الذين تفننوا بالقيام بأدوار اجتماعية من نوع خاص. عددت من هذه الأدوار في ورقة نشرتها في يوم من الأيام ستة أطلقت عليها الأسماء التالية : ( التلتال ، اللقاق ، البروال ، الهرواك ، الزمزاك، والهتيف ) . هذه أدوار اجتماعية مختلفة يمكن أن يقوم بها أي فرد يحتل أي مكانة اجتماعية، لكنها تشترك في خصائص رئيسة أهمها أن متبني الدور يمكن أن يقوم بأي فعل غريب ومستهجن ولكن لا يجرمه القانون. ودون الدخول في التفاصيل تتمثل مناشط الدور الذي يقوم به من يتبناه بالمبالغة في النفاق والتزلف والكذب المعبر عنه في المناسبات العامة التي يجتمع فيها جمهور. وهي مبالغة في النفاق والكذب والتزلف الموجه نحو الحاكم. وترتفع وتيرة شدة الدور بوجود الرئيس في التجمع وبحجم التجمع. حيث يتفنن مؤدوا الدور في إسباغ الصفات العابرة ليس للأقطار أو القارات ولكن للأزمنة أيضا. فالحاكم قائد لم تلده إمرأة، ولم تعرفه بلد من قبل، ولم يظهر في زمن سابق، وإذا اشتدت الوتيرة فالقول بأن الزمان لن يجود بمثله يصبح شعارا غير مستبعد. وهو كذلك في حالة كل صفة محببة قد تخطر على بال إنسان مثل الملهم والمبدع والشامخ والمعلم والمنظر والحكيم والمهندس والبطل والمنتصر. وكما هو معروف في أدبيات علم النفس فإن الفرد يكون صورته عن نفسه على ضوء تصوره للصورة التي يرسمها الآخرون له. وعليه فقد يبدأ الحاكم بشخصية بسيطة متواضعة وقريبة لأبناء الشعب. لكن ما أن تبدأ جوقة المنافقين في العزف حتى يتغير الوضع وشيئا فشيئا يتقمص الحاكم الشخصية التي تعدها جوقة المنافقين، ويصبح سلوكه معبرا عن هذا التصور الجديد. وينتهي بصورة الدكتاتور الكامل؛ ونعني هنا الشخص الذي ينشرح صدره لسماع كل إطراء مهما ارتفعت درجة المبالغة، ولا يقبل أي شكل من إشكال الرأي المخالف مهما تدنت وتواضعت درجة الاختلاف. ولا يبقى أمام الرعية إلا الدعاء بأن يكون دكتاتورهم من نوع المستبد العادل. وتزخر أدبيات اللغة العربية بوصف هذه الشخصية ( المستبد العادل ). وفي مجتمع يقوده حاكم هذه صفاته لا ينمو مجتمع مدني، ولا يتكون رأي عام بالمعنى الحقيقي. وإذا غاب هذان البعدان يصبح تأثير العلماء وخصوصا في مجال العلوم الاجتماعية جد محدود، إلا من فضل منهم الالتحاق بفرق المطلبين والمزمرين ومزوري التاريخ، وقد يحصل المجتهد منهم في هذه الحالة على مكان في الصدارة فينال الرضى ويحصد المكافئات المادية.

·بين مناسبة وأخرى تبدي إعجابك بزميلكم السابق عالم الاجتماع العراقي د. علي الوردي، رغم الفارق المنهجي بينكما، فأنت تعتمد الطريقة الامبريقية والكمية أكثر، في حين أنه يعتمد كليا على ما يمكن أن يطلق عليه بالطريقة النوعية والانثروبولوجية، وهي التي لا تعتمد الإحصاءات والتجارب الامبريقية، فما الذي يعجبك فيه؟ وما هي مآخذك على طروحاته؟
ثلاث صفات اتصف بها المرحوم عالم الاجتماع العراقي على الوردي ضمنت له احترام وإعجاب الكثيرين وأنا من بينهم : التفرد والاستقلال والوطنية. أختط على الوردي لنفسه أسلوبا في البحث والكتابة وحافظ عليه طوال حياته وبذلك أمكن للقارئ تمييز كتابات الوردي حتى لو سقط اسمه سهوا. ونجح الوردي في أن يكون باحثا ومفكرا مستقلا، واستمر على نفس المبدأ على الرغم من المشكلات الكثيرة التي توفرت في البيئة التي عاش فيها؛ وخصوصا ما يتعلق بمحاربة أي درجة من درجات الاستقلال مهما تدنت. ومن ناحية أخرى إصراره على العيش في بلده وخدمة أبناء شعبة ضاربا عرض الحائط بالكثير من إغراءات العمل في الخارج. ويعد مثل هذا مثلا عاليا للوطنية ونمطا متميزا لقوة الولاء للوطن . كثيرون هم أوائل الطلبة العرب الذين ترسلهم بلدانهم إلى الخارج بهدف استكمال دراساتهم العليا والعودة للوطن للمساهمة في خدمته. بعض هؤلاء تبهره حياة الخارج ويقرر البقاء غير مبالي بما يفرضه واجب الولاء للوطن الذي دفع تكاليف تعليمه في الداخل والخارج. نسبة ترجع لأرض الوطن فور الانتهاء من تعليمه. بعض هؤلاء يخرج ثانية عندما يصطدم بواقع يراه صعب التأقلم معه خصوصا في تلك الأقطار العربية التي فيها الأوضاع الاقتصادية سيئة، أو التي تخضع لحكم دكتاتوري قاسي. لكن البعض فضل العيش في بلاده حتى ولو لم تكن ظروف الحياة جيدة. كان على الوردي ضمن هذه الفئة التي ولائها للوطن أقوى من كل شيء .
اهتم على الوردي بفهم مجتمعه مستخدما البيانات التاريخية إلى جانب الملاحظة. وقد نجح في إنتاج كم هائل من الكتابات التي وصفت المجتمع العراقي وصفا واقعيا. صحيح أنا أتبع المدرسة الأمبيريقية التي توظف تقنيات الإحصاء للوصول إلى تعميمات لا تعتمد فقط على الرأي الشخصي. لكنني أعترف بقيمة الدراسات الكيفية وبأهمية استخدام الأدبيات التاريخية. وعلى العموم لا توجد ظاهرة اجتماعية بدون تاريخ.

·هل تقبل أن يطلق عليك البعض "علي الوردي ليبيا" مقارنة بالريادة والمكانة التي تحتلها في أوساط المثقفين والمتعلمين في الجماهيرية بل وحتى بعض الشبه في الشكل والخلق المتواضع؟
لا أحد يمكن أن يأخذ موقع على الوردي، لكن الظروف جعلت مني أول ليبي يحصل على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع. ثم اخترت طريق العودة للاستقرار في بلدي، ولم أخرج ثانية للعمل في أي بلد باستثناء الذهاب كأستاذ زائر لأكثر من بلد أغلبها لا يستغرق وقتا طويلا وفي مرة واحدة فقط استمر بقائي كأستاذ زائر سنة كاملة. لم تكن الظروف التي عشت فيها بعد عودتي من الخارج تختلف كثيرا عن التي عاش فيها على الوردي. وأتشابه مع الدكتور على الوردي في تمسكي بالإقامة في بلدي، والنظر لهذا القرار كواجب لقطر أحمل جنسيته، ولشعب أنتمي إليه، وانسجاما مع موقف يقلل من مكانة من استثمر فيه بلده وفضل بعدئذ خدمة شعب لم يستثمر في إعداده مالا ولا وقتا. قد لا أصل إلى المستوى الذي وصف فيه احد زملائي أعضاء هذه الفئة من الطلبة بالخيانة، لكنني أقول أن درجة ولائها للوطن ضعيف جدا.

·باعتباركم رائد دراسات التحديث في ليبيا والعالم العربي، أين وصلت مسيرة التحديث فيهما؟
مظاهر التحديث المادي موجودة اليوم في جميع أجزاء الوطن العربي. تتمثل هذه في المؤسسات الحديثة مثل التعليمية والطبية والإدارية، إلى جانب مكونات البيئة التحتية من طرق وكباري وسكك حديدية ومطارات وشبكات المياه الصالحة للشرب والمجاري والغاز والكهرباء والهاتف والانترنت. التوسع في استخدام التكنولوجيا في جميع الفضاءات من المنزل إلى الشارع إلى مكان العمل. لم تتواجد هذه المظاهر في مختلف أجزاء الوطن العربي في تاريخ واحد. وعليه فإن بعض الأقطار العربية تعرف على بعض هذه المؤشرات ابتداء من القرن التاسع عشر بينما تأخر الأمر بالنسبة لأقطار أخرى إلى ما بعد بداية النصف الثاني من القرن العشرين. وتختلف الأقطار العربية في درجة انتشار هذه المظاهر ومدى توفرها لأفراد المجتمع.
تختلف الأقطار العربية في المؤشرات الكمية التي تقيس درجة استفادة المواطن مما يتوفر في المجتمع مثل معدلات الأمية ومعدلات التمدرس وانتشار الأمراض ومعدلات الحصول على خدمات طبية جيدة وهكذا. نفترض أن انتشار التحديث المادي سيقود إلى التحديث على مستوى الشخصية أي الحداثة . نعني بهذا المصطلح عملية الانتقال من نمط معرفي يعتمد بدرجة كبيرة على احترام التقاليد والأفكار القديمة والتفسيرات الغيبية والأسطورية لمعظم ما يصادفه الشخص في يومه من قضايا وأنشطة ومشكلات إلى نمط معرفي يوظف العقلانية توظيفا واسعا ويستعين بنتائج المعرفة العلمية وتوظيفاتها التقانية في التعامل مع ما يصادفه المرء في يومه من قضايا وأنشطة ومشكلات. الشخص ذو الشخصية الحديثة يؤمن بالمساواة وبالاختلاف ويحترم الوقت ويعتمد التخطيط .
يمكن القول أن عرب اليوم نجحوا في الأخذ بأسباب التحديث على مستواه المادي، لا بد وأن نسبة من عرب اليوم اكتسب مواصفات الشخصية الحديثة، لكن النسبة الكبيرة يبدو أنها أخذت ببعض خصائص الحداثة واحتفظت بخصائص أخرى تقليدية. لذلك لم يوفق العرب في مجاراة بقية العالم في مجالات رئيسة تتصل مباشرة بالحداثة مثل قبول واحترام الآخر والمساواة بين الجنسين وقيم الديمقراطية. لذلك يعاني عرب اليوم من مشكلة رئيسة وهي العيش خارج المسار العالمي مما اضطر البعض إلى أن يجعل عنوان كتابه: خروج العرب من التاريخ. لا يستطيع الذي يرغب أن يكون ضمن ركب القرن الواحد العشرين إهمال متطلبات العصر، والاستمرار في النظر إلى الوراء مستنجدا بالتراث وبالتاريخ.

·عُرف عنك رضاك عن واقع علم الاجتماع في الوطن العربي وتفاؤلك بمستقبله، فما هي أسباب ذلك، رغم أن هناك ما لا يدعو إلى ذلك مثل: الفجوة بين أصحاب القرار والمختصين بعلم الاجتماع، وقلة تمويل البحوث الاجتماعية، وعدم تبني نتائج وتوصيات الدراسات الاجتماعية بل لازلت هناك حتى المحاربة الدينية من قبل بعض رجال الدين لهذا العلم من خلال فتاوي تحريم تعليمه في بعض البلدان؟
كما ذكرت في مكان سابق لعلم الاجتماع في الوطن العربي تاريخ طويل، وانتشار واسع. لعبت الجامعة الحديثة الدور الرئيس في هذا التواجد والانتشار حيث كان قسم علم الاجتماع كقسم مستقل أو بالمشاركة مع مجالات أخرى مثل الفلسفة أو الخدمة الاجتماعية أو علم النفس هو أحد أهم الأقسام العلمية التي بدأت بها كل كلية للآداب التي كانت في مناسبات كثيرة هي الكلية الأم للجامعة الجديدة. بل خصصت بعض الجامعات كليات خاصة للخدمة الاجتماعية التي كان فيها لمواد علم الاجتماع مكان بارز. وبمرور الوقت تكاثر عدد خريجي أقسام علم الاجتماع وتكاثر عدد الحاصلين على شهادات عليا في نفس المجال . أنشأت أقطار عربية كثيرة مراكز بحثية تخصصت في الدراسات الاجتماعية وحملت عناوين مثل المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، ومركز الدراسات الاجتماعية والاقتصادية. وكان للدراسات الاجتماعية بما فيها علم الاجتماع مكان في مراكز بحثية لم يحتوى عنوانها على ما يفيد بذلك مثل معهد الإنماء العربي الخ..
صحيح أن ما يخصص من ميزانيات في البلاد العربية للبحث العلمي بصفة عامة وللعلوم الاجتماعية بصفة خاصة لا تكفي لتنشيط البحث في هذه البلاد. ومع ذلك هناك أبحاث تنجز في كل بلد عربي، لكن الشيء الذي لا تخطئه عين هو أن نتائج هذه الأبحاث لا تفعل بالشكل الذي يتمناه الباحثون. توجد هوة بين أعمال الباحثين والذين يتولون مراكز تتحكم في القرار. وفي كثير من الأحيان تتخذ قرارات وتنفذ مشاريع ثم تظهر مشكلات لها جذور اجتماعية. في هذه الحالة تطلب الإدارة التنفيذية من مراكز الأبحاث دراسة هذه المشكلات. لكن قد لا يكون بالإمكان عمل أي شيء لفوات الأوان. قد يستعجل المخططون لتحسين أوضاع سكان المناطق العشوائية حول المدينة فبنوا أحياء حديثة بها عمارات سكنية عالية ذات شقق صغيرة من النوع الذي يناسب الأسر الصغيرة. من بين نتائج الزج بأسر كبيرة الحجم في مثل هذا النوع من الوحدات السكنية كثرة الصدامات بين الجيران، وانتشار عدد من أنماط السلوك المنحرف وفي النهاية ارتفاع معدلات والجريمة وهكذا كان في أكثر من مكان .
لا أحد يعترض على سياسة تهدف إلى تحسين ظروف الحياة لسكان العشوائيات، لكن لو استشير المتخصصون في العلوم الاجتماعية عند بداية التفكير في مشروع من هذا النوع لأمكن توظيف الكثير من الحقائق الاجتماعية التي من شأنها أن تساهم في إخراج المشروع بشكل يناسب طبيعة ظروف الحياة الاجتماعية للسكان الذين سينتقلون للإقامة في وحدات هذا المشروع .

·هل تعتقد أن ظاهرة الإرهاب العالمي الحالي يرتبط بوجه ما بالعولمة أو يعتبر مَعلم من معالمها، انطلاقا من أن العالم "أصبح قرية"؟
لعل ظاهرة الإرهاب من الظواهر التي عرفها المجتمع البشري منذ القدم فليست من بين إفرازات العولمة التي نتحدث عنها اليوم. العولمة هي الأخرى ليست ظاهرة حديثة فقد عرف البشر على مر العصور عولمات، لكن لعولمة اليوم نكهة خاصة. لقد أدى التقدم الكبير في وسائل الاتصالات وأنواعها إلى أن تصبح ظاهرة العولمة التي نعيشها تعم جميع أرجاء الكرة الأرضية، وأن تؤثر في جميع البشر وإن اختلفت درجات التأثير، وأن تزيل معظم مظاهر الحدود بين الأقطار المختلفة، وان تؤثر في جميع مظاهر الحياة. لذلك الإرهاب الذي نتحدث عنه اليوم تتدخل في تحديده وحجمه وانتشاره عوامل تتصل بخصائص العولمة. فالعولمة التي حطمت السدود التي تقيمها الدولة حول حدودها أزالت أيضا الحدود في مجال المعرفة العلمية وفي تطبيقاتها العملية. لذلك يتمكن الإرهاب اليوم من التسلل عبر الحدود الجغرافية بسهولة، ويوظف آخر ما تنتجه التطبيقات العملية للمعرفة العلمية، كما يوظف في مجال الإعلام جميع الإمكانات المتاحة في أي مكان في العالم. مما عظم أخبار الأحداث المصنفة تحت الإرهاب، فبدى الأمر وكأن الظاهرة من بين النتائج السلبية للعولمة.

·تمتلك شخصيا موقعا على شبكة الانترنت، وهذا شئ مهم جدا ويدل على مواكبتكم لهذا النوع من خدمة الاتصال والمعلوماتية العظيمة، ولكن بالمقابل لا يوجد موقع مماثل للجمعية العربية لعلم الاجتماع التي ترأسها، ما هو سبب التأخر في ذلك؟ ومتى سنشاهد موقعا للجمعية يعرف بها ويؤدي الأغراض المتعددة المطلوبة ومنها أن يكون منبرا إعلاميا للجمعية؟
في الواقع أنشأت الجمعية العربية لعلم الاجتماع موقعا وبقي لفترة ثم أقفل بسبب التأخر في دفع قيمة الاشتراك .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://social.alafdal.net
 
حوار مع الدكتور مصطفى عمر التير أستاذ علم الاجتماع الليبى
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» الدكتور مصطفى النشار يكتب عن: العلاج بالفلسفة
» السيرة الذاتية للدكتور مصطفى عمر التير أستاذ علم الاجتماع الليبى
» السيرة الذاتية للأستاذ الدكتور على عبد الرازق جلبى أستاذ علم الاجتماع بجامعة الاسكندرية
» المنهج النقدي في البحث الاجتماعي .. بقلم: الدكتور طلال عبد المعطي مصطفى
» الأئمة الأربعة الدكتور مصطفى الشكعة

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
إنســـانيــات .. نحـو عـلم اجـتماعى نـقدى :: 
منتدى الخدمات العامة لجميع الباحثين
 :: 
قضــــايا ومنــاقـشــــات فى كل المجالات
-
انتقل الى: